/ الفَائِدَةُ : (164/ 431) /

18/07/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [دَوْرُ الدَّلِيلِ الدِّينِيِّ فِي تَأْمِينِ السَّلَامَةِ المَعْرِفِيَّةِ] [البرْهَانُ الدِّينِيُّ وَأَثَرُهُ فِي عِصْمَةِ المَعَارِفِ مِنَ الانْحِرَافِ] إِنَّ مِنْ أَجْلَى مَنَافِعِ الدَّلِيلِ الدِّينِيِّ وَالِاعْتِصَامِ بِهِ فِي المَسْلَكِ المَعْرِفِيِّ : أَنَّهُ يَكْفُلُ عِصْمَةَ المَعْرِفَةِ ، وَيُؤَمِّنُ سَلَامَتَهَا مِنَ الِانْحِرَافِ ؛ إِذْ مِنْ جِبِلَّةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ تَعَرُّضُهَا لِلأَدْوَاءِ الفِكْرِيَّةِ وَالعَوَارِضِ النَّفْسِيَّةِ، وَالَّتِي مِنْ أَبْرَزِهَا : ١. الْجَرْبَزَةُ : وَهِيَ طُغْيَانُ حِدَّةِ الذِّهْنِ وَتَوْظِيفُهَا بِشَكْلٍ إِفْرَاطِيٍّ مُعْوَجٍّ ؛ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْفِكْرِ قَرَارٌ عَلَى أَصْلٍ ، وَلَا تَنْضَجُ لَهُ ثَمَرَةٌ فِيمَا يَرُومُهُ . ٢. الْبَلَادَةُ : وَهِيَ رُكُودُ الْعَقْلِ ، وَخُمُولُ الْقَرِيحَةِ ، وَقُصُورُ الذَّكَاءِ عَنِ الِالْتِقَاطِ . ٣. الْهَوَى وَالْحُبُّ : فَإِنَّ فَرْطَ الشَّغَفِ بِالْفِكْرَةِ أَوْ الشَّخْصِ يُعْمِي عَنِ الْعُيُوبِ وَيُصِمُّ عَنِ النَّقْدِ. ٤. الشَّنَآنُ وَالْبُغْضُ : فَإِنَّ الْخُصُومَةَ تَعْصِفُ بِالْمَوْضُوعِيَّةِ ، فَتُعْمِي عَنِ الْمَحَاسِنِ وَتُصِمُّ عَنِ الْحَقِّ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ الْكَثِيرَةِ. إِذَنْ : لِجُمْلَةِ الْقُوَى الْإِدْرَاكِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ فِي الْإِنْسَانِ حَالَتَيْنِ : حَالَةَ صِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ ، وَحَالَةَ اعْتِلَالٍ وَسُقْمٍ . وَالضَّامِنُ الْأَوْحَدُ لِعِصْمَةِ هَذِهِ الْقُوَى وَتَأْمِينِ سَلَامَتِهَا هُوَ : الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْوَحْيَانِيَّةُ ، لَا الْحِكْمَةُ الْبَشَرِيَّةُ الْأَرْضِيَّةُ. وَهَذَا الْمَعْنَى الرَّصِينُ هُوَ مَا تَشْخَصُ إِلَيْهِ تَوْجِيهَاتُ الْوَحْيِ وَبَيَانَاتُهُ ، وَالَّتِي مِنْهَا : ١. بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (1). ٢. بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (2). وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَإِنَّ الْوَحْيَ يَتَوَجَّهُ بِالْخِطَابِ إِلَى مَجْمُوعِ الْقُوَى وَالْغَرَائِزِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، فَيَقُومُ عَلَى تَقْوِيمِهَا وَتَهْذِيبِهَا ، وَيَرْسُمُ خَارِطَةَ التَّوَازُنِ وَالتَّعَامُلِ فِيمَا بَيْنَهَا . وَيَظَلُّ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ (الْوِجْدَانُ) هُمَا الْمُخَاطَبَ الْأَوَّلَ ، وَالتِّلْمِيذَ الْأَرْشَدَ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْقُوَى وَالنَّوَازِعِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ أَيُّ غَمْطٍ لِمَكَانَةِ الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ ، أَوْ زَعْزَعَةٍ لِدَوْرِهِمَا ، بَلْ هُوَ تَوْصِيفٌ مَوْضُوعِيٌّ لِلْوَاقِعِ ، وَوَضْعٌ لِلْأُمُورِ فِي مَصَابِّهَا الْحَقَّةِ ؛ إِذْ يَتَمَحْضُ دَوْرُ الْعَقْلِ فِي الْإِدْرَاكِ ، وَالْإِبْصَارِ ، وَالْمُرَاقَبَةِ ، بَيْنَمَا يَنْفَرِدُ الْوَحْيُ بِتَأْسِيسِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْشَاءِ وَاقِعِيَّتِهَا ، وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (3). [الْمُعَلِّمُونَ وَالْحُكَمَاءُ الْأَوَائِلُ لِعُمُومِ الْعَوَالِمِ وَالْمَخْلُوقَاتِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ] [المُعَلِّمُونَ الأَوَّلُونَ لِلْعَوَالِمِ وَأَثَرُهُمْ فِي تَوْجِيهِ النِّتَاجِ المَعْرِفِيِّ البَشَرِيِّ] [الهِدَايَةُ المَحْوَرِيَّةُ لِلْعَوَالِمِ: بَيْنَ الحِكْمَةِ المَعْصُومَةِ وَالتَّجْرِبَةِ البَشَرِيَّةِ] بَعْدَ الِالْتِفَاتِ : أَنَّ الْحَكِيمَ الْوَحْيَانِيَّ الْأَوَّلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَالْمُنَصَّبَ مِنْ قِبَلِ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى جُمْلَةِ الْعَوَالِمِ وَبَرَايَاهَا غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ ، هُوَ : سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، ثُمَّ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ السِّبْطَانِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ التِّسْعَةُ الْمَعْصُومُونَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحُسَيْنِ ؛ يَتَقَدَّمُهُمْ وَلِيُّ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الْحُجَّةُ ابْنُ الْحَسَنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ). وَالنِّتَاجُ الْبَشَرِيُّ لَيْسَ إِلَّا تَوْطِئَةً مَعْرِفِيَّةً ، وَتَجَارِبَ إِعْدَادِيَّةً لِلْخَوْضِ وَالتَّبَحُّرِ فِي بِحَارِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ ، عَبْرَ امْتِطَاءِ سَفِينَةِ اللُّغَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالذَّوْقِ السَّلِيمِ ، الْمَوْزُونَيْنِ بِمَوَازِينَ الصِّنَاعَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الرَّصِينَةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْبَقَرَةُ : 129. (2) التَّوْبَةُ : 122. (3) الْمُلْكُ : 14